اسمي لينا , والدي سعودي ,ينتمي لعائلة من إحدى قبائل الحجاز ,ووالدتي أمريكية من نيويورك , لها أصولا إيرلندية , تعّرف والدي عليها أثناء دراسته لهندسة الإنتاج والنظم الميكانيكية بجامعة برينستون بولاية نيوجيرسي, كانا زميلان في نفس القسم , والدتي لم تتردد في قبول عرض أبي للزواج بها بعد أن توطدت علاقتهما , كان والدي معجبا بشخصيتها وحجابها فقد كانت مسلمة , وأمي رأت أن والدي هو الرجل الذي لطالما أيقنت أنها لن تجد مثيله … كان كطوف النجاة لها …مرسولا من الله ..وقد تحفزت كثيرا بعد أن تم زواجهما على العودة إلى السعودية حيث ستتلمس أرض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وحيث مكة المكرمة والمدينة المنورة .
رُزق والديّ بأختي "غادة " التي تكبرني بخمس سنوات, كانت جميلة جدا كوالدي ذات تقاسيم عربية ,وعينان سوداوان وشعر أسود حالك .
أتيت أنا أتعقب الخُطى لكني ظهرت بعينان زرقاوان وشعر أشقر .. كنت عربية بملامح أمريكية .
عدنا إلى الديار بعد سنة من مولدي إلى حيث يقطن أهل والدي في جدة , وقد سكنا معهم …في "العمارة" ذات الطوابق الثلاث و "بيت العود "أي منزل جدي في الطابق الثالث ونحن في الطابق الثاني .
أثناء تواجدنا وسط العائلة الكبيرة كنت طوال الوقت أرمق التقارب بين أختي ووالدي وجداي وأعمامي حيث أجدهما منسجمان معهم, أما أنا فلون عيني الأزرق وشعري الأشقر يجعلني نشازا بينهم كم كان ذلك يثير الكثيرمن الحنق في نفسي من أختي لأنها تشبههم .
في جدة حيث كل شيء يتكلم باللكنة الجداوية المكونة من لهجات متشابكة, هناك القبلي والحضرمي وكذا الحَضُر والذين تنتمي أصولهم لأعراق مختلفة من مصر والشام و تونس ومن الجزائر و المغرب و هناك من تركستان وبخارا وجاوه وكذا من الصين وكثير من الهند وحتى اليابان حيث كانت تعيش جاليتهم في مكة بعد أنقطاعهم عن رحلة العودة لبلدانهم بعد انتهاء إحدى مواسم الحج وبقائهم بها وقد ذكر ذلك المستشرق الهولندي خورنية في مذكراته لرحلته إلى بلاد الحجاز والذي تخفى وعاش في مكة المكرمة عمرا من الوقت , كان هذا المجتمع عبارة عن معزوفة وشائجية عجائبية كونت موزاييكا حضاريا من جمع من التراث المتراكب في مدن الحجاز الكبرى مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة .
كنت أذهب بشكل يومي ودؤب إلى منزل" العُودْ" ذاك المنزل الذي تتجلله المهابة بشخوصه ,كان لي مكانة في قلب جداي , أقبل يديهما الطاهرتين ورأسيهما …وأشم رائحتهما الشرقية التي تتعشق مع روحي فأزداد حبا وشغفا بهما وبوطني الآسرالذي لطالما شغفني حبا .
كانت جدتي تعرف أنني أحب القهوة ومع التمر وتغميسة "طحينة السمسم" لذا غالبا لم يخلو البيت منها ..
جدي كان يلقب القهوة بالشاذلية وقد علمني كيف أسكبها له في الفنجان…. يقول لي ضعي قليلا منها فيه ….أي برستيج ضروري … قلت لجدي أن إحدى صديقاتي ذات الأصل الحضرمي التي صاحبتها بعد دخولي للمدرسة تقول أننا عكسكم عندما كنت أخبرها عن طقسك هذا ..حيث أنه من العيب عدم ملء الفنجان بل المستوجب جعله مترعا إلى أن يكد يندلق ما فيه من قهوة ..والعكس بالنسبة لكاسة الشاي نحن نملئه وهم يقللون المقدار ,ضحك جدي وقال لي : أن عُرفنا معقول ..وأن القهوه هي "كيف" أي مزاج لذا لاتكثري من صبها لي … فنجانان أو ثلاث وفقط .
في طفولتي كنت أبحر مع قصص جدتي ومع بقية الأحفاد, ننصت لها بشغف كبير ونلتصق بها إلى أن نكاد نتراكب حولها ,وبعضنا يسحب ثوبها ليكتمل مزاجه مع مص اصبعه ذاك محمد ابن عمي خالد, من أجمل القصص التي تقصها علينا قصة الفتاة الجميلة التي تزوجها السعلي تقصد به الوحش هي هكذا تسميه ..الذي كان له ثلاث رؤوس وأن موته مشروطا بضربة واحدة بالسيف على رأسه الصغير دون تثنية وإلا سيعود للحياة من جديد.
جدتي كانت فيلسوفة ونادرة الوجود على الرغم من أميتها تحفظ بعض السور من القرآن فقد كان والدها يحظر لأبنائه المطوع الذي يُعلم أطفال الدار ويُدرسهم القرآن ,وهي من خلف ساتر تتعلم مع إخوتها في دارهم , كانت تحكي لنا عن طفولتها ببراعة تجعلك مشنفا أذنيك إلى أن تنتهي وكانت تلحن الأشعار التي تتضمنها قصصها بصوتها الرقيق ,كانت تبكي وتهطل دموعها مع بعض الأشعار الحزينة .
في ليلة العيد كان لوالدي طقسا عجائبيا لمشوار لايتخلف عنه "بمشيئة الله "و كنت رفيقته فيه حيث يكون مقصدنا إلى شارع "قابل" ذاك الشارع المكتنز بالتراث … وجدة القديمة تراها شاهدة في دورها وشارع الملك عبدالعزيز الذي كنا نتمشى فيه لنتفرج على تلك الدكاكين ..المكان يحتضن أناسا من كل مكان أكثرهم من الجالية الفلبينية ..يأكلون ويتبضعون ..والجو عجيب يشعرك بالفرح , و كُشكات بيع البليلة التي كنت اشتهيها بمجرد أن أشتم رائحتها في ذاك الشارع التاريخي في العمر ….الآسن في الشكل الحالي …وهو العمود الفقري لجدة القديمة … في ليالي رمضان وفي ليلة العيد بالذات التي كنت مواضبة فيها على ملامسة نبض هذا الشارع مع والدي الذي جعلني فيما بعد أتخذه طقسا لي لايمكن أن أتركه كان كل شيء فيه يجري كجريان أجرام المجرة والكون بأسره ليستعد للضيف القادم ومودعا رمضان بكل قداسته ,وتتضوع روائح ذكية متخالطة وأستطيع أن أميز كل نكهة فيها أمممم ذرة مشوية وبليلة وحتى العطور الشرقية خصوصا دهن العود بعد أن أكون ووالدي قد تبضعنا عطورا للعيد فنخرج من المحال التجارية مضمخين بعبق العطر أيا كان نوعه .
حينما نعود للمنزل ومعنا الحلويات ….تكون جدتي قد اشترت الحلويات الشعبية التي لاتنساها كل عيد كطبطاب الجنة اللذيذ … والحلقوم … الذي لا أحبه مطلقا والمعمول الذي كانت تصنعه بنفسها في السابق ….وتضعها في أواني جميلة .
في دار العود ليلة العيد نحدث نحن الأحفاد جلبة وضجيجا…ونكون كلنا قد سهرنا نغني أغنيات العيد عند جدتي وهي تحني نفسها بالحناء التي تضعها في يدها وتربط عليها قطعة القماش وتضع خطوط على اصابعها من الدائرة التي في المنتصف بعد أن تجف ..وحينما يأتي صباح العيد نذهب للمشهد الكبير وبعد أن نأدي الصلاةونقبل العائلة قُبل التهنئة بالعيد ونهنئ أولا جدي وجدتي ونقبل أيديهما ثم .. نذهب للساحة الكبيرة لحوش العمارة حيث مشهد الذبح "للطلي " ـ الطلي يعني الخروف ـ يقوم جدي بهذه المهمة بمساعدة أعمامي حيث يمسك بالسكين بالطبع أنا وغادة وجميع الصغار كنا نغمض أعيننا حتى لانرَ الدم المهرق … ونصرخ لا ياجدي حرام حرام "ليش يا جدي تقتله " يضحك إلى أن يكاد أن "يهستر" من الضحك على تعليقاتنا الطفولية ..ويقول إن لم نأكلها "هي راح تاكلنا".. ..وكانت جدتي تعد "التقاطيع " وكذا "المقلقل" ليضاف مع مائدة الفطرة لذلك اليوم العجائبي بروائحه وبخوره وحلوياته وألوانه .
في هذه الجنة الشرقية كنت أنمو وأترعرع , بعيدا عن لوني وسراب الوطن الذي يتباعد عن أنفي بسبب أوهامي التي جعلتها حاجزا كبيرا بين وبينه .
أرادت والدتي أن تدخلنا إلى المدرسة البريطانية بجدة واستطاعت أن تاتي بأوراق لدخولنا …ولم يعترض والدي وفي المساء تنتظرنا دروس الدين مع إحدى المعلمات الخصوصيات … وكان شرط والدي أن ندرس في هذه المدرسة لما دون الصف الرابع الإبتدائي فقط …..,لم تنمو معي المدرسة الأجنبية بل كنت أمقتها لأنها كانت تجعلني غير عربية شكلا ومضمونا …بخلاف أختي التي كنت أراها تعجب بلون شعري وعيني كنا كلما كبرناكنت أجدها تنجذب لتراث والدتي وأنا ازداد إلتصاقا بتراث والدي .. مرة من المرات عَرّجت إحدى المعلمات على جنسيتي وقالت :معلقة لو لم أرَ بياناتك لأجزمت بأنك أمريكية كان كلامها هذا مثل القذارة ألقتها في وجهي لم أمقت شكلي أكثر من تلك اللحظة فقد أصبحت أوصم بلأمريكية لشكلي ..لم أعاني مشكلة مع أمي فهي حنون جدا لكن لم أشعر بانتمائي لأصلها مطلقا قد يكون لأنني أحب جداي كثيرا و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ